لكل مجلس باب
ولكن الباب الحقيقي ليس ما يفتح بالمقبض كونه يفتح بالقلب.
في إحدى ليالي الشهر الفضيل من عام ١٤٤٧هـ وبينما كان المجلس يجري على عادته الرمضانية — سلام وشاي وقهوة وحديث حبي بين الأحبة إضافة إلى القراءة الرمضانية — دخل شاب في العشرينات من عمره لم أره من قبل.
سلّم بصوت فيه وقار التعب وقال
هل لي باستخدام الحمام؟
قلت
وعليكم السلام تفضل.
دخل ومضى نحو الحمام ولم يكن في الأمر ما يستدعي الانتباه.
لكن حين خرج… انتبهت.
كان بدين الجسد يمشي ببطء كأن قدميه تسحبان على الأرض.
ساقاه لا تستقيمان تمامًا وفي مشيته شيء من العناء.
ومع ذلك كان في وجهه عقل حاضر وفي كلامه ترتيب شاب اعتاد أن يفكر قبل أن يتكلم.
وقف لحظة ثم قال
هل تعرفني؟
قلت صادقًا
لا.
ابتسم ابتسامة قصيرة وذكر اسم أبيه رحمه الله.
اسم يعود إلى زمن بعيد أكثر من خمسة وعشرين عامًا.
ثم ذكر اسم أمه التي توفيت قبل سنتين وأخذ يسرد أسماء أخواله وأعمامه.
وهنا بدأت الذاكرة تتحرك قليلًا.
عرفت الأسماء لكنني لم أعرفه هو.
قلت له
عرفت أخوالك وأعمامك ولكنك أنت لم أرك من قبل.
هز رأسه كمن تعوّد على مثل هذا الجواب.
قلت له
تفضل استرح واشرب كأس شاي.
قال معتذرًا
لا أستطيع الجلوس على الكرسي فرجلاي لا تساعدانني.
فقلت
لا بأس.
صنعت له كوب شاي في كأس ورقي.
كنت أظنه سيشرب ويغادر.
لكن الحديث… له رأي آخر.
من قصة إلى قصة ومن اسم إلى اسم ومن ذكرى إلى ذكرى.
كان يتكلم بلطف غريب ويسحبك إلى الكلام دون أن تشعر.
لا يعرفك ولكنك تشعر أنه يتحدث كأنه يعرفك منذ زمن بعيد.
ثم دخل بعض الإخوة مع أولادهم وبدأ المجلس يمتلئ قليلًا.
خرجت للحظة خارج الباب أرتب أمرًا سريعًا.
وعند عودتي وجدته واقفًا في الطريق أمام باب المجلس.
ناداني باسمي الذي كان قد سألني عنه قبلًا.
قلت
نعم.
اقترب قليلًا وقال
أريد منك خدمة.
قلت
تفضل.
قال بصوت منخفض جدًا
دعنا نتحدث جانبًا.
في تلك اللحظة فهمت.
ليس لأنني أعرفه ولكن لأن الحياة تعلّمك أحيانًا قراءة بعض الجمل قبل أن تقال.
قلت له
لا بأس تفضل وادخل المجلس.
قال مترددًا
هناك ناس في المجلس.
قلت معقبًا
كلهم إخواني تفضل.
دخل على مضض وكأنه يسير إلى مكان لا يريد أن يراه أحد فيه.
أبعدنا طاولات الخدمة قليلًا حتى يستطيع أن يمد ساقيه وجلس على الكنبة.
كان جلوسه ثقيلًا… كأنه يجلس وفي داخله شيء آخر غير الجسد.
في تلك اللحظة بدأ الخطيب قراءته فعم السكون.
جلس الشاب طوال المجلس صامتًا لكن وجهه لم يكن كذلك.
كان في ملامحه شيء يشبه الغضب… أو ربما الحرج… أو خليطًا منهما.
كأنه لا يريد أن يكون هنا ولا يعرف أين يكون.
بعد انتهاء القراءة التفت إليّ وقد كنت بعيدًا عنه أحدث أخي الأكبر وهمس باسمي.
رغم أنني كنت منهمكًا في الحديث.
قمت واقتربت منه.
طلب مني أن نخرج قليلًا خارج المجلس فوافقته.
وحين وقفنا في الخارج قال بصوت منخفض
أنا محتاج مبلغًا من المال.
توقفت لحظة.
ليس لأن الطلب صعب…
كون الحياة أحيانًا تضعك في موقف لا تعرف فيه أي الكلمات أصدق.
نظرت إليه وقلت بهدوء
يا أخي أنا رجل كبير.
فلا تنظر إليّ هكذا ولا إلى شكلي ولبسي.
فلربما أنا أحوج منك وأنت لا تدري.
أنا لا أعمل وإخواني هم من يساعدونني حتى أحفظ ماء وجهي.
ساد السكوت لحظة.
لم يغضب.
لم يجادل.
هز رأسه فقط كأن الجواب ليس جديدًا عليه.
وقال لا .. عادي إيه عادي
ثم ذهب ببطء.
مشى كما دخل… هادئًا.
لكنني بقيت بعده أفكر.
ليس في طلبه…
إنما في شيء أكبر من الطلب نفسه.
كم من الناس يمشون بيننا بهذا الشعور؟
ليس الفقر وحده…
بل ذلك الإحساس الصعب الذي يجعلك تقف أمام باب إنسان لا تعرفه وتقول في نفسك
لعلّه يكون بابًا مفتوحًا.
الناس لا يطلبون المال بسهولة.
قبل طلبهم هناك ليال طويلة من التردد والتفكير.
قبل الكلمة هناك كرامة تقاوم.
وقبل أن يطرق الإنسان بابًا يكون قد طرق أبوابًا كثيرة في داخله.
بعض الناس يظنون أن الفقر نقص في الجيب.
لكن الحقيقة أن أصعب ما فيه أنه يضع الإنسان في امتحان الكرامة.
أن تقف بين أن تطلب… أو تسكت.
أن تخاطر بنظرة قد تفهمك خطأ… أو تعود بخيبة جديدة.
في مجتمعاتنا الطيبة الناس كرماء
ولكن الكرامة أيضًا كبيرة.
ولهذا ترى كثيرًا من المحتاجين لا يطلبون ويحفظون ماء وجوههم.
يمرون
يسلمون
ويجلسون قليلًا
ثم يمضون.
وكأنهم يقولون بلا كلام
أنا هنا
لكنني لا أريد أن أثقل عليكم.
الحياة مليئة بهؤلاء.
أشخاص لا يلفتون النظر
ولا يرفعون مطالب حاجاتهم
ولكن في داخلهم قصص كاملة لا يسمعها أحد.
وأحيانًا يدخل أحدهم مجلسك فقط ليستخدم الحمام
ثم يخرج…
وقد كشف لك بابًا من أبواب الحياة لم تكن تراه.
فالحياة يا صديقي
لا ترى في الكلام
وأوسع من أن تحكى…
وأصدق ما فيها
تلك الوجوه التي تحمل قصصها
وتعبر دربنا لحظة… ثم تختفي.



