18 , مارس 2026

القطيف اليوم

قرّب الصورة قبل أن تحكم!

ألف ألف الحمد لله أننا نعيش على مسافة من بعضنا البعض ولا نعرف التفاصيل، تمامًا كما ننظر إلى صورةٍ رسمها فنان معلقة فوق حائط متحف فتعجبنا من بعد. في قرب الصورة تظهر التفاصيل، تبين الملامح، يُعرف الجمال من القبح. في بعد المسافة يبقى الشك وقول "اللهم إنا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا"!

فلان رجل طيب! قرب الصورةَ قبل أن تحكم لكي ترى هل هو فعلًا طيب؟ أم الصورة بعيدة عنك؟ فلان عاقل! قرب التفاصيل لكي تعرف إن كان عاقلًا أم أحمق يكاد يغرق في حماقته؟ فلان خلوق! لعلّ المسافة بعيدة؟ قرب الصورةَ ترى ذئبًا في جلد حمل! فلان أمين! قرب الصورة وأرهِ الذهب فإذا لم يسرقه فهو أمين. قرب الصورةَ في كلّ قول وفعل قبل أن تحكم!

في المقلب الآخر:
فلان لا يساوي فلسًا! قرب الصورةَ فهو قد يساوي عند الله ألف ألف إنسان يدعي الصلاح! فلانٌ غبي ناقص العقل! قرب الصورة ربما ترى رجلًا عليك أن تكرمه لرجاحة عقله.

الحمد لله أننا نعيش كلٌّ بمفرده يحمل قلبًا لا يراه سوى من هو قريب منه. لو رأينا ما يصنع كلّ منا خلف الجدران لاضطربت قلوبنا. كم من ميت يقول من يعرف صورته عن قرب؟ الله لا يرده، الحمد لله الذي خلصنا منه ومن شره وأراحنا منه!

"لو تكاشفتم ما تدافنتم". من رحمة الله بنا أن ستر عيوبنا ولم يفضحنا إلا بمقدار ما نفضح به أنفسنا. لو تكاشفنا ما مدح أحدٌ أحدًا ولم يزكي أحدٌ أحدًا ولم يصلي أحدٌ على أحد وما بكى أحدٌ على أحد إلا من رحم ربنا سبحانه وتعالى!

نعيش على فضيلة حسن الظنّ بالناس وحسن ظنّ الناس بنا؛ حسن الظن بالأصدقاء، حسن الظن بالجيران، حسن الظن بالأقارب فكما قال الشاعر ابن ليون التجيبي:

حسِّن الظنّ تعش في غبطةٍ .. إن حسن الظنّ من أوقَى الجننْ
من يظنّ السوءَ يُجزى مثلهُ .. قلما يُجزى قبيحٌ بحسنْ

يذكر أنه  لما احتضر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جمع بنيه حسنًا وحسينًا وابن الحنفية والأصاغر من ولده، فوصّاهم وكان في آخر وصيته: "يا بني، عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وان فقدتم بكوا عليكم، يا بني إن القلوب جنود مجندة، تتلاحظ بالمودة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه".

بعد أيام قليلة يأتي العيد، ألبس الملابسَ الجديدة، آكل وجبة يوم العيد الشهية، أقبل كلّ واحد من الأقارب والأصدقاء في وجنتيه وأقول له: عيدكم مبارك، فهل يا ترى أصفّر عداد الأحقاد والخصومات وأنظف داخلي؟ أم أنتظر العيد القادم الذي قد لا يأتي؟ الأمر في أيدينا.


error: المحتوي محمي