15 , مارس 2026

القطيف اليوم

سرّ التكامل الاجتماعي

البنية الاجتماعية للإنسان تدفعه نحو الانخراط في تجمعات تربطه بعلاقات مع محيطه تقوم على أسس التعاون وتحمل المسؤوليات. إن كانت علامات الازدهار والتنمية والقوة معالم وأسس ذلك البنيان المجتمعي، فإن أي خلل في تلك المنظومة القيمية، وتشكل بؤر المشاعر السلبية وروح الأنانية والنفعية المصلحية البحتة، سيؤدي إلى خلل واضطراب في علاقات أفراد المجتمع وضرب مبدأ السلم الأهلي، ولن ينهض المجتمع ويسوده التكامل والترابط إلا من خلال الحفاظ على مبادئ الاحترام وحفظ حقوق الآخرين.

وهذا التكامل والتكاتف بين أفراد المجتمع ودوره في التقدم والتطور لا يعني أبداً المساواة بنحو يحرم أصحاب القدرات والتفوق من الحقوق والمكانة العالية والتميز، فالفروق الفردية سنة إلهية تحكم بالتفاوت والاختلاف في القدرات والإرادات والمدركات العقلية، وهذا ما يحكم به الوجدان والمشاهدة، كما في التفاوت والاختلاف في الإمكانات المادية وكذلك المواهب والقدرة على الفهم والاستيعاب وغيرها من الملكات. وهذا التفاوت فيه جانب إيجابي، حيث تختلف التوجهات والرغبات بما ينعش مختلف الجوانب والحِرَف التي يحتاجها المجتمع، كما في الجانب المعرفي والفكري والثقافي حيث تتباين الرغبات، وهذا يسهم في تقدم المجتمع. وهذا التباين يؤسس لمبدأ التكامل والتكاتف والمساندة بين أفراد المجتمع بعد أن يقوم كل واحد بمسؤولياته المترتبة، وينخرط في ميادين الحياة والعمل بما يتوافق مع قدراته ورغباته، وقد أشار القرآن الكريم لهذه الحقيقة ـ التفاوت بين الناس في أرزاقهم وأعمالهم ـ في قوله تعالى: {… نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا …} (الزخرف: 32).

فهذا التقسيم البشري يسير وفق السنن الإلهية لتنظيم حياة الناس عبر تقاسم الأدوار المعرفية والمهنية، وذلك عن طريق تبادل المنافع والمصالح بما يخدم مصلحة الجميع. إذ لو فرضنا وجود حالة التساوي والتشابه بين الناس في حالاتهم المالية والمهنية لأدّى ذلك إلى تعطّل شؤونهم، ولكن خيط التعاون والمساندة يربط بينهم ويدير حركة النمو وعجلة التقدم.

هذا التكامل الاجتماعي وتقاسم الأدوار بين أفراد المجتمع يعني مساهمة كل جزء في حركة العمل المثابر والتنمية؛ فالمجتمع بحاجة إلى الطبيب والعالم والمهندس والمعلم وعامل البناء وغيرهم من المهن الكريمة والشريفة، ويسهم كل واحد منهم في دفع مسيرة الآخر عبر تقديم خدمة مجتمعية تتناسب مع قدراته، وبهذا التشابك بين الأدوار والمصالح يتم تبادل الخبرات والإسهام المثمر كعنصر مجتمعي فعّال. وهذا لا يعني ـ بالطبع ـ أن قيمة الإنسان بشهادته التخصصية أو المكانة الدراسية والمهنية، بقدر ما يمثله سعيه واجتهاده في طريق العمل الجاد والمسيرة المعرفية المتقدمة؛ فالعالم ينشر ما يمتلكه من معارف ومعلومات للناس بما ينير عقولهم ويمنحهم طريقة التفكير الإيجابية، وكذلك أصحاب المهن والحِرَف مسؤولون عن أداء متقن لما يقومون به، فالمجتمع النشط والفعال يؤدي فيه كل فرد دوره بغض النظر عن موقعه ومهنته.


error: المحتوي محمي