قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾؛ ولم تكن مشكلته في مادة الخلق، بل في منطق الاستعلاء: أن يجعل الأصل، والعرق، والنسب، والهوية، سلّمًا يحتقر به غيره. وهذا المنطق يتكرر اليوم حين يقول أحدهم: أنا من القبيلة الفلانية، أو من الأسرة الفلانية، أو من البلد الفلاني، فأنا أفضل من غيري. ذلك ليس فخرًا محمودًا، بل صدى بعيد لعبارة إبليس نفسها؛ تغييرٌ في الألفاظ، وثباتٌ في العِلّة: الكبر وازدراء الناس. وقد جاء القرآن ليهدم هذا الميزان الجاهلي من أساسه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالشعوب والقبائل جُعلت للتعارف لا للتعالي، وللتكامل لا للتكابر.
وفي السنة، لم يجعل النبي ﷺ معيار الكرامة وجهًا ولا مالًا ولا نسبًا، بل قال: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. فالقيمة الحقيقية في القلب والتقوى والعمل، لا في الاسم الطويل ولا في الشجرة العائلية المتشعبة. ومن هنا كان احتقار الناس علامة نقصٍ في الدين، لا رفعةً في المقام.
ولهذا قال الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: “الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق”؛ وهي كلمة تختصر أخلاق الإسلام كلّها: لا موضع فيها لعصبيةٍ تُهين، ولا لنزعةٍ تُقصي. وفي المملكة أيضًا تتوافر مسارات رسمية لتقديم الشكاوى في قضايا المساواة وعدم التمييز عبر هيئة حقوق الإنسان، كما تؤكد سياسات وزارة الموارد البشرية مبدأ عدم التمييز؛ لأن كرامة الإنسان مصونة، والتعصب مرفوض شرعًا ونظامًا. فالذي يتكبر بنسبه لم يفهم القرآن، والذي يزدري الناس باسمه أو قبيلته إنما يكرر درس إبليس، لكن بلباسٍ اجتماعي جديد.



