07 , مارس 2026

القطيف اليوم

بين الخيل والخنفساء!

إنها الخيل يا سادة. من أجمل المخلوقات وأعلاها ثمنًا وقيمة في السلم والحرب. افتخرَ بها الشعراء، امتطى صهوتَها الأبطال وامتلكها الأغنياء المترفون.

رمز القوة والاستعداد للحرب إذ قال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}. قمة الزينة حيث ذكرها الله سبحانه وتعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ}. من أجمل وأنفع ما ركب الإنسان في الزمن القديم والحديث إذ وصفها الله سبحانه وتعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

ماذا يقال عنها بعد وصف الله سبحانه وتعالى؟ كيف يقارن الخيل بالخنفساء؟

عندما أعود بالذاكرة لما كنت أسمعه من أمثال شعبية على لسان أمي - رحمها الله - وأبناء وبنات جيلها أراها دقيقة ومناسبة تختزل الكثير  في جملة قصيرة. أأسف حيث لم أدونها. الآن ما عدتُ أسمعها ولا أظن أن أبنائي وأحفادي يعرفون معناها ومغزاها.

في الأمثال الشعبية حكم قصيرة ضاعت في ثنايا الزمن! بعض الأمثال تعبر بين المجتمعات فلربما وجدتَها عندنا في كلمات تختلف عما هو في مجتمع آخر لكن الدلالة والمقصد هو هو. في هذه الخاطرة أستعرض معكم أحد الأمثال الشعبية المليء بالحكمة والذي يعبر عن حالة غريبة من فظاعة في المقارنة بين الخيل والخنفساء.

"قالت الخيل حوفروني وقالت الخنفسانة أني بعد" أو "مدت الخيل حافرها وقالت الخنفسانه أني بعد". كيف يمكن للخنفساء أن تقارن نفسها بالخيلِ المسومة؟

إن الحكمة في مثل والدتي تتلخص في محاولة الخنفساء، من صنف الحشرات، مقارنة نفسها بالخيل في حين هي لا تملك حتى حوافر! تطلب الخنفساء الصغيرة الحجم بمساواتها في الاهتمام مع الخيل الذي يجري في المضمار ويحصل على الجوائز الثمينة بين حصد رؤوس المقاتلين في زمن الحرب وكؤوس السبق في زمن السلم!

فقط لأنها تملك أربع قوائم - دون حوافر - خطر في بالها أنها تستحق التقدير والرعاية والاهتمام، مثلها مثل الخيل! كيف لحشرةِ  الخنفساء التي تثير النفور والاشمئزاز في نفوس الكثيرين أن تقارن نفسها بالخيل التي تبعث البهجةَ والراحةَ في النفس؟

{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ}.. القرآن الكريم في حكاية عن النبي سليمان عليه السلام.

"الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة" .. مروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله.

وَمُهجةٍ مُهجتي مِن هَمّ صاحبها * أدركْتُها بجَوادٍ ظهرهُ حَرَمُ
رِجلاه في الرَّكضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ * وفعلُه ما تريدُ الكفُّ وَالقَدَمُ
ومُرهَفٍ سِرتُ بين الجَحْفَلينِ بهِ * حتى ضَربتُ وموجُ الموتِ يَلتَطِمُ
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تَعْرِفُني * والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقَلمُ

- الشاعر المتنبي -

آه من يقدر على الكلام والمقارنة بين الخنفساء والخيل بعد كل هذا؟ أيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيَّا! لكن عندما تختل مقاييس وموازين المقارنة نستطيع أن نقارن بين كل شيء! سبحانك يا رب!


error: المحتوي محمي