07 , مارس 2026

القطيف اليوم

درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج (15) «خاص لمرضى الأنيميا المنجلية (1+)»

أطرق اليوم موضوعًا ليس بجديد، فقد تطرق إليه وكتب عنه الكثيرون، وطالما شغل أذهان الناس، كما ناقشه مجموعة من الأطباء والمختصين في القطاع الصحي، ذلك هو “الأنيميا المنجلية” شائع كمرض من أمراض فقر الدم في منطقتنا، ولا أدري هل هو مرضًا بذاته أو حالة اعتلال تقود لعدد من الأمراض؟ ذكرنا مسبقًا أن أي اضطراب يحدث في جسم مريض ويقود لعدد من الأمراض ليس مرضًا بذاته، وإنما حالة اعتلال، ومعنى هذا الكلام أن من يعاني فقر الدم المنجلي سيقوده إلى ألم حاد في البطن والصدر والعظام والمفاصل والأطراف.. وإلى عدة مضاعفات خطيرة في الرئة والكبد والطحال والمرارة.. بسبب إنسداد الأوعية الدموية المغذية.

من ماضينا يكون منطلقنا إلى مرحلة تبدأ من حيث انتهى إليه أسلافنا، نشأ هذا الاعتلال نتيجة طفرات جينية مفاجئة ظهرت من أجل مواجهة وباء الملاريا، كان جزءًا من التهديدات التي كانت تعصف بحياة الناس في منطقتنا، وقد جرّت مآسٍ صحية على آلاف الأسر، حيث كان موت الأطفال منتشرًا على نحو مخيف.

لا شك أن وجود طفل مصاب بالأنيميا المنجلية في البيت يحتاج من والداه إلى جهد ومثابرة لرعايته وتغذيته أكثر من الطفل السليم، لينمو طفلهما بصورة طبيعية، وكثيرًا ما يتساءل أرباب هذه الأسر عن كيفية التعامل مع الابن المصاب وكيف تتم تغذيته، ونوعية الغذاء الذي يحتاج إليه، إننا في هذه السلسلة من المقالات نحاول مساعدة تلك الأسر وهؤلاء الأطفال وكل من يعاني بهذا الاعتلال بتعريفهم بالطرائق الصحيحة لتغذية هذه الفئات وتوعيتهم واختيار الأطعمة والسلوكيات المناسبة، بحيث تتحقق الرسالة التي نؤمن بها.

وبادئ ذي بدء، فإن حديثي معكم أعزائي القراء ليس حديثًا عن نفسي، لكنني أجد نفسي مجبرًا أن أبدأها ببضع كلمات نبعت من صميم التجربة والمعاناة، ومن تحت ما يُسمى “تجربتي الحياتية”، كوني من الأشخاص الذين عانوا بنوبات فقر الدم المنجلي، وعلى الرغم من ذلك لم أتناول علاجًا دوائيًا منذ أكثر من أربعين عامًا.

في الواقع أن ما أشاهده اليوم من حالات اعتلال على شكل آهات وونات وتأوهات تخرج من أعماق القلب تصيبني بالحزن والإحباط، وما يثير غثياني، وحتى وأنا أكتب عنها الآن، أن هذا الاعتلال ليس له علاج قاطع، فلن يكون بمقدور الأطباء أن يقوموا بالكثير، فلا يوجد عقار يمكن أن ينهي الأزمة بشكل كامل، ولهذا تتركز مسؤوليات الطبيب الملحة في تخفيف النوبات أو المضاعفات لا للقضاء عليها.

ويتلخص التدخل العلاجي في الراحة التامة، وإعطاء جرعات من الأدوية المسكنة لتخفيف من حدة الألم وتطور الأعراض ومعالجة الالتهابات إن وجدت، وكذلك وصف بعض المكملات الغذائية الدقيقة لتعويض نقص الحديد مثل حمض الفوليك وB12، وإعطاء العلاج الوريدي لتعويض نقص السوائل والأملاح والجلوكوز وفقر الدم، وقد يحتاج المريض في الحالة الشديدة إلى الأكسجين عند حدوث صعوبة في التنفس.

ومن المفيد أن نذكر أن استخدام عقار “الهيدروكسي يوريا” قد أدى إلى تخفيف الألم، وخفض عدد النوبات الانحلالية الدموية بنسبة 50%، لكنه يظل عقارًا لتحسين الحالة وليس علاجًا شافيًا، فالمريض لا يزال يعاني نوبات الألم المتكررة رغم استخدام علاج “الهيدروكسي يوريا” بجرعاته القصوى ولمدة طويلة، ولا يمكننا في هذه الحالة تلافي الآثار الجانبية التي قد يتعرض لها المريض نتيجة الاستخدام المفرط للعقاقير الكيميائية، ولا يعطى الدم إلا في حالات نزول نسبة الهيموجلوبين إلى أقل من 6 غم/دل لتعويض المفقود منه.

هذه هي نظرة الطب الحديث الوسيلة الوحيدة للعلاج، على الرغم من اتساع دائرة البحوث والدراسات والمعرفة بهذا الاعتلال، إلا أنه مازال يحصد أرواح المصابين وهم في عمر الزهر على مرأى ومسمع من أطبائهم المعالجين.

نحن لا نقول إننا أطباء، ولكن يحق لنا أن نتساءل كذوو ثقافة صحية عن غياب الدور الغذائي والسلوكي في العلاج!! هناك العديد من الوسائل الطبيعية التي تساعد على مواجهة الأمراض وأعراضها المختلفة، كما تساعد في حالات دقيقة على معالجتها، فقد ثبت أن الأغذية الطبيعية هي أساس الكيمياء، ومن ثم فإن لديها القدرة على تعويض النواقص الفسيولوجية، فلماذا نتجاهلها؟! لكن من غير الممكن اتباع علاج طبي مهما يكن نوعه دون أن نتبع نظامًا غذائيًا مناسبًا.

نحن لا نملك إلا الأدوية فقط، ولا نعرف إلا الذهاب للطبيب!! إنني أستغرب عندما لا أجد أي دور للإدارة الغذائية والسلوكية في الطب الحديث، إننا نجد عددًا من الأطباء لا يهتمون أو يسألون عن سلوك المرضى، ولا يستفيدون من اختصاصيي التغذية، ويمكن معالجة العديد من الأمراض من دون أدوية عن طريق تغيير أنماط الحياة واختيار الغذاء.

من هنا لا بد أن تكون علاقة اختصاصيي الغذاء مع الأطباء علاقة تكميلية لضمان أفضل النتائج في العلاج.

إن إحدى مشاكلنا الصحية التي يجب حلها هي الاعتماد على الأدوية دون اللجوء إلى الطرق الغذائية؛ وهذا ما دفعني دون تردد كبير إلى تقديم شيئًا من مشواري مع رحلة الألم والمعاناة.. وللحديث بقية.


error: المحتوي محمي