في ماضي القطيف لم تكن الحياة تقاس بالساعات فقط، بل بالأصوات، وكان الصوت هو ساعة الناس، وهو رزنامتهم اليومية، وهو الرفيق الذي لا يُرى ولكن يُحَسّ في الأعماق؛ فمن أراد أن يكتب تاريخ تلك الأيام فليكتبه من نافذة السمع قبل نافذة البصر.
فعند النوم كان الليل يهبط وديعًا على البيوت المفتوحة، حين كان الناس ينامون في “الليوان” أو تحت ظلال السعف. وكانت تتعالى هناك همسات الطبيعة مثل صرير الجندب واحتكاك سعف النخيل إذا داعبه الريح، وكأنها أم تربّت على كتف طفلها لينام. ولم تكن تلك الأصوات إزعاجًا، بل كانت أنشودة السكينة وموسيقى الفطرة التي اعتادت الآذان حتى صارت جزءًا من الطمأنينة نفسها.
ومع انبلاج الفجر تبدأ سيمفونية أخرى بصياح الديك معلنًا يومًا جديدًا، وتجيبه أصوات الدواجن والحمير وأصوات صغار الماشية، فيما يتردد نقيق الضفادع من السواقي والبرك والظلال الرطبة، وكأن الصباح لا يكتمل إلا بتلك الجوقة الريفية البريئة. لقد كانت القطيف تستيقظ على إيقاع الحياة لا على رنين الأجهزة، وعلى حركة الأرض لا على ضجيج الإسفلت.
وعندما تمضي الشمس قليلًا تتداخل عندها أصوات البشر إلى المشهد الجميل، وأصوات الأمهات بين الدعاء والعتاب والسعادة والحنان والحرص؛ أجل، تتسلل من البيوت فتملأ الأزقة دفئًا. لطالما كانت الكلمة آنذاك تحمل وزنها، وللصوت مهابة الألفة فلا يُنسى سريعًا ولا يمر عابرًا. ففي الضحى تبدأ حكاية أخرى؛ نعم، حكاية الباعة الذين كانوا جزءًا من نسيج المكان، حيث يمضي أحدهم ينادي على بضاعته بلحن خاص يعرفه الجميع، فما إن يُسمع صوته حتى تُفتح الأبواب وتطل الوجوه. وأغلبهم كان يبيع ما تحتاجه النساء من لوازم، فيردد عبارته المألوفة بإيقاع محفوظ، وكأن النداء طقس اجتماعي قبل أن يكون تجارة. وآخر يجوب الطرقات بمرحلتين مملوءتين بالخضرة، وتغطيها خيشة مبلولة حفظًا لنضارتها وقوامها وعدم فسادها، فينادي على “البقل والرويد والجرجير والبقدونس والباذنجان ووو”، فيخرج الناس إليه كما يخرجون إلى موعد يومي لا يُخلف ولا يُعطّل.
وأذكر في تلك الأيام من يطوف بعربته بين الأحياء ويصيح بعبارة قصيرة مغنّاة، ويمد حروفها بمرح ومحبة، فيها نوع من السجع والأبيات الشعرية، فيعرفه الصغار قبل الكبار. وصوت آخر ينادي على “اللوز والكنار” ويعدد أسعاره بلهجة دارجة عفوية، فتتحول الأزقة إلى سوق صغير تنبض فيه الحياة بلا تكلف. لم تكن تلك النداءات مجرد إعلان بيع، بل كانت هوية صوتية للقطيف وملامح إنسانية تختلط فيها التجارة بالطرافة، والرزق بالبسمة. ومن الأصوات التي انقرضت كذلك صوت القارئ الذي يحمل رايته ويجوب البيوت “المداح أو المادح”، الذي يقرأ ويرتل فتسكن المجالس وتخشع القلوب، وكان حضوره يضفي على المكان وقارًا روحيًا ويمنح السمع نصيبه من الصفاء كما تمنح الأرض ثمرها.
ولم يكن الورد البلدي “القطيفي” يغيب عن هذه الذاكرة السمعية؛ فقد كان بائعه يأتي في موسمه القصير ويتغنى بعبارات شعرية: (أنا الورد أنا الورد، أنا سلطان كل الدهر، أغيب عنكم سنة، وأحضر إليكم شهر)، يعلن بها قدومه، فتنتظره النساء بشوق لأن حضوره يعني شهرًا من العطر والبهجة. تلك اللحظات الصغيرة تختزن قدرًا كبيرًا من الرومانسية البسيطة، رومانسية تنبت بين تعب العمل ومشقة العيش، لكنها صادقة لا تحتاج إلى زينة.
سلام على تلك الأيام التي كان الصوت والناس في توازن ومكانه وتأثير، حتى صار جزءًا من ذاكرة جماعية لا تُمحى. ولم يكن أحد يظن أن تلك النداءات ستغيب يومًا، وأن الأزقة ستفقد صداها المألوف. ولكنها سنة الحياة؛ يمضي الناس وتبقى الذكرى، ويخفت الصوت وتظل رنته في القلب.
إن من لم يعش تلك المرحلة قد يقرأ عنها فلا يشعر بحرارة فقدها، أما من سمعها ذات فجر أو مساء فإنه كلما هبت نسمة أو دوّى صوت بعيد عاد به الحنين إلى سنوات كانت أبسط في أدواتها وأغنى في إنسانيتها. لقد كان المجتمع يومئذ أكثر تماسكا وتعاونا، لأن الصوت كان جسرًا بين البيوت، والنداء كان دعوة خفية إلى اللقاء.
يبقى التراث ليس حجرًا ولا صورة، لكنه صدى يسكن الذاكرة؛ فإذا ذُكر عمل أو مهنة تحدث من عاصرهم قائلًا: كان هناك رجل يفعل كذا، وكان هناك صوت ينشد كذا. رحلوا جميعًا، لكنهم تركوا لنا أثرًا من الجميل، وعلّمونا أن القطيف تُحفظ بأصواتها كما تُحفظ بعمارتها، وأن ما مضى وإن لم يعد فإنه يظل حيًا ما دام فينا من يرويه.



