ماذا يخطر في بالك عندما تسمع كلمة ميزان أو الميزان؟ أداة يوزن بها اللحم والفاكهة والذهب وغير ذلك مما هو رخيص أو غالي الثمن ويباع بالوزن؟ أم يخطر في بالك المعنى الفلسفي لكلمة الميزان؟
{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}.
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ}.
آيات عدة في القرآن الكريم تذكر كلمة الميزان ومشتقاتها لكنني سوف آخذك إلى معانٍ أخرى لكلمة الميزان. معان يعيشها الإنسان بين الخلاص والألم، بين الحب والكراهية، بين الشمس الساطعة وبين الظلام، وبين الحرب والسلام.
لاحظ أننا في حياتنا نتوق إلى عيش متوازن خالٍ من اليأس والألم، ترجح كفته بالأمل والطموح والبيت والأسرة والاستقرار. نتوق إلى عيشٍ متوازن يتقدم فيه العدل على الظلم. أول مظاهر لغيابِ الميزان في الحياة أن تطغى الكراهية على المحبة، أن يكبر حجم الظلم، أن يكون الموت أغنية بدلًا من الابتهاج بالحياة.
لذلك ليس الميزان محصورًا في الأداة التي نعرفها في حياتنا، إنما هو في تصوري شيء متعدد المعاني والمقاصد. هو كل ما يقاس ويوزن به ما كان له وزن مادي أو له وزن غير مادي. إذا غاب أو اختل ميزان العدل حل مكانه الظلم. إذا اختل ميزان الحبّ حل مكانه البغض والكراهية والجور .إذا اختل ميزان الصلاح صار بديلًا عنه الفساد!
تعال ننظر في المحادثة التالية:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}.
ماذا قال الملائكة؟
{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}.
ماذا كان جواب الله سبحانه وتعالى لهم؟ {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
عن ماذا كان استفسار الملائكة؟ هل نفى الله سبحانه وتعالى عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، هل كذب الملائكة أم قررهم على ما ادعوا؟ أي ميزان غاب؟
ماذا عن الضمير؟ العقل؟ الأخلاق؟ أليست كلها موازين يمكن أن ترجح كفة على أخرى؟
"إنّ الله خلق العقل فقال: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: وعزّتي وجلالي ما خلقت شيئاً أحبّ إليّ منك، لك الثواب وعليك العقاب".
قال سبحانه وتعالى عن ميزان الأكل والشراب:
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
أما العلاقات الإجتماعية فقال سبحانه وتعالى في بعضها:
{وَلَن تَستَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَينَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصتُمْ فَلا تَمِيلُوا كلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلّقَةِ وَإِن تُصلِحُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رّحِيماً}.
قال سبحانه وتعالى عن ميزان المال:
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}.
إذن ألا ترى أنّ كل حياتنا ميزان في ميزان وعندما يختل الميزان نعود إلى زمن الغاب والكهوف والحجر؟



