الأحداث والوقائع والمواقف المتعددة التي يمر بها الإنسان ليست محض العبث أو الوقوع في دائرة الفراغ، بل يمثل كل واحد منها محطة اختبار وساحة مواجهة مع طريقة تفكيره ومستوى تحمله للمسئولية وما يمتلكه من قدرات وطاقات تسعفه على العبور أو السقوط، وهذا التصور الواضح لميادين الحياة يبعث في النفس الأمل وقوة التحمل حينما يجزم الفرد بأن مكانته وقيمته الحقيقية تتجلى بعد ظهور نتائج مواجهته للظروف الحياتية الصعبة والأزمات المختلفة، حيث هناك من يتعامل بعقلانية وضبط نفس ونظرة شاملة تتفحص الظروف والنتائج والاحتمالات المتاحة، فينطلق في ساحة العمل المثابر ليسجل موقفاً يحمل البصمة الخاصة بشخصيته ووجوده، وفي المقابل هناك من لا يقرأ الوقائع والآثار المترتبة لإهمال الأمور أو التعامل بروح الاستهتار والتضييع أو التعامل بصورة ردة الأفعال الانفعالية والتهورية.
ومع هذا التصور الواضح لطبيعة حياة الإنسان وتسلسل الأحداث والمواقف فيها، يجعل منها ميادين اختبار لقدراته يكتسب منها الخبرات والتجارب، فيصحح من خلالها الأخطاء وأوجه التقصير فيمضي بعد أن تسلّح بالمعرفة والأمل، فليس هناك من أحداث عابرة يتعامل معها وكأنها ورقة بيضاء لا تحمل في طياتها توجيهاً وإرشاداً له لأمر ما عليه الالتفات إليه، فالسمات الشخصية للإنسان المعرفية منها والأخلاقية والسلوكية تدخل في معترك الحياة كمحطات اختبار، فيتجلى منها الصفات الحقيقية له في قوة شخصيته وإرادته وسجيته الأخلاقية من عدمها، فالمدار لا يكون على أساس التوقعات التصورية للفرد عن نفسه وما يتمتع به من ملكات، ولا يخضع الأمر لتقييمات الأخرين المبنية على المجاملات المقيتة والتي تضيع معها الحقيقة، بل سماته الحقيقية يستقيها ويستخلصها من مواقف عملية تستجلي بواطن نفسه، وكما أن علاقته بالله عز وجل مبنية على ميدان العمل الدؤوب والمستمر، فكذلك في الميادين الوظيفية والاجتماعية وغيرها تُبنى على السعي الحثيث والإرادة الجادة ليتبوأ المكانة اللائقة، فالإنسان لا يُترك سدى في هذه الدنيا فينطلق في أحاديثه وحواراته وتصرفاته من منطلق اللا مسئولية والجدية في العمل، كيف وهو يمر في مواقف مختلفة من السراء والضراء أو النجاح والإخفاق وفي كل منها يحتاج إلى موقف إيجابي لا يتوقف معه عن العمل ولا ينظر من خلاله إلى المستقبل بعين سوداوية (التشاؤم)، وهذا ما يفسر التعبير عن النفوس البشرية بالمعادن لتقريب الصورة في مسألة القيمة المتأرجحة بين الثمين منها وغيره، فالقيمة الحقيقية تبرز من خلال الاندكاك في المواقف الحياتية والانصهار في محطات الاختبار اليومية، فالحياة مدرسة متكاملة تجد مع مرور الأيام الدروس الكثيرة التي تتوزع فيها الامتحانات والمحطات التي تعبر منها، فإذا قدمنا عليها بوعي وإرادة صلبة استطعنا تجاوزها باقتدار وتقدم وتطور إلى مراحل أخرى.



