01 , مارس 2026

القطيف اليوم

هل تتخلى عن.. ؟ «3»

حين نفكر عن بدايات شهر رمضان بزمن النبي (ص) بزمن فرضه إلى وصوله لزمن  أجداد الأجداد ترتسم صورة جميلة للصيام والقيام بخيالنا حيث الأجواء الروحية الأصيلة حتى البيوت القديمة تخالها وحتى بدون كهرباء منيرة بترتيل القرآن مع أصحابها لهذا حين نرى بيوت قديمة ننجذب لها لا إراديًا فالروح تنجذب كل مايجذب لها السكينة.

لم يكن هناك شواغل ومُلهيات مثل زماننا الحالي الذي نبحث فيه عن السكينة ، كانت الأرواح  همها الطاعة وأداء فرض الله بأكمل وجه والإبتعاد عن محرمه ، كان طلب الرزق بالعمل ربما الشاغل الوحيد ويكون بفترة النهار فقط والليل يكون مخصص للعبادة والتزود بالراحة ، إلى أن أتت الكهرباء وأبناءها الراديو وشقيقه التلفزيون وفتح شرارة الإنشغال والألتهاء، لكن مع هذا  كان الأجداد يُحسنون التصرف معها ولا يملكهم صوت راديو أو صورة تلفاز فكانوا يغطونه بالأوقات التي تتطلب التوجه كأيام الحداد، وأجد إن وضع الغطاء تصرف حكيم يوحي بحريتهم، فلا يتجرأ أي جهاز على إغوائهم والغمز لهم بصوته أو صورته لأنه صنم مقيد بالغطاء لايستطيع رفع غطاءه والقيام بعملية الإلهاء. 

مضت الأعوام وتثاقل البعض عن وضع الغطاء ونجح أبليس بإقناعهم بالأكتفاء بالأطفاء، ولكنه مابرح يحاول بإقناعهم إنه لايُلهي إلى أن ظل مفتوح طول اليوم وطول السنة. 

ربما اليوم نجد التلفاز أقل خطرا وأقل مُلهي حيث بات من زمن الطيبين رغم تطورات أبليس في منتجاته فيه ووصوله لمراحل غير مأمونة المضمون بما يُعرض فيه ولكن تبقى فيه رقابة ولو كانت باتت ترتدي رداء الخجل قليلًا برقابتها، لكن متابعي التلفاز والقنوات لا تقارن مع متابعي السوشل ميديا في كل هاتف، فكل الملهيات بكل أنواعها موجودة داخله من صوت وصورة وكل أنواع الميديا. 

ومكمن الخطورة هو مايتم مشاهدته بخارج جو التجمع العائلي ورقابتهم، فحال التجمع مع أفراد العائلة إن أتى صوت أو كلمات غير لائقة أو لقطة غير أخلاقية مثلا بمسلسل أو برنامج هناك كتم الصوت أو تغيير القناة سيكون حل لإرضاء كبار العائلة الذين يعرفون حرمة هذا الشهر وقداسته، و ربما هناك خجل من سماع أو مشاهدة ما لا يليق فالفطرة السليمة تأبى سماعها أو رؤيتها  بالعلن دون خجل وخاصة بوجود كبار العائلة  أو الصغار، فمن يملك الريموت كنترول عليه تدارك الموقف وتغييرها فورًا لكي لايلحقه ذنب سماع و مشاهدة الجميع .

المشكلة الآن بات ماسك الريموت كنترول  بإجازة مطولة عن عمله لسنوات ، فبات كل شيء متاح للجميع بضغطة زر بالجوال ودون خجل ولايوضع عليها تحذير واضح مثل علب السجائر  بإنها مسبب رئيسي للسرطان، ولكنه سرطان من نوع آخر  يخنق الروح ويُمرضها بالأسقام. 

المُلهيات بكل أنواعها وبكل وسائل طرحها هي أغذية فاسدة لأفكارنا أكثر ماتفسد هو أوقات أعمارنا فلنحذر و "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ" 

نحن قد نخاف أن نتناول أكل منتهي الصلاحية أو الذي تفوح منه رائحة نتنة، ولكن نُعرض أرواحنا  للأختناق جراء أعمال نعملها تكون نتنة بروائحها المعنوية، فقط لأننا تجاوزنا ووضعنا لها حكم  "عادي" بدون معرفة أصلًا بدليل المحرمات. 

أمير المؤمنين (ع) يقول:" تعطرو بالأستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب". 

وأكبر ذنب نقترفه في حق أنفسنا في هذا الشهر الكريم هو الألتهاء بذنب يُقصينا من دائرة الضيافة الألهية التي تسع الجميع. 

وأكثر مساعد للشيطان حتى في غيابه وتقييده بهذا الشهر هو الإنسان نفسه، فأينما تلتفت ترى ما لايليق بقداسة الشهر الكريم، بالهاتف الذي بين يديك، ولا تقول أنت لن تذهب لتلك الأمور المحضورة، ولكن الدهاء حين يضعونها لك أمام وجهك كأعلان لامفر من مشاهدة مقدمته حتى تتعود لاذهنيًا عليه ويكون بمثابة الـ"عادي" مع الوقت فيتجمد الريموت كنترول عن تغييرها أو تخطيها. 

لا أحد ينكر فائدة التقنية بتقريب البعيد وتسهيل الصعب، ولكن لأننا صرنا نعتمد عليها كليًا فيبدو علينا الصيام عنها قليلًا لنحفظ صيامنا عن كل لاهي ومشوب. 

نحن نحتاج جميعًا لعمل "دايت" عن كل شيء نحن مدمنين عليه  ولا يجر لنا فائدة بالدنيا ولا الآخرة، وأكثر إدمان نحن مصابين فيه هو إدمان استخدام الجوال والإلتهاء بما يعرضه الآخرون فيه ، فهل تتسابق؟ وتصوم عنه وكأنه لايوجد فيه إلا ميزة الأتصال بمن يقربك من الله في شهره؟.


error: المحتوي محمي