27 , فبراير 2026

القطيف اليوم

غرفة لا تُغلق بابها

⁃ قبل الحديث.
كثيرة هي النقاشات التي دارت بيني وبين الأصدقاء حول توزيع البيت، ومسارات الحركة فيه، ومواقع المجالس، واتجاهات الضوء، لكن سؤالاً واحداً كان يكشف عمق التفكير أكثر من أي مخطط هندسي:
هل خصصت غرفة لوالدتك؟
غالباً تأتي الإجابة سريعة:
“البيت فيه غرف كثيرة.”
“عندنا مجلس ممكن تجلس فيه.”
“لو حبت تجي، البيت بيتها.”

⁃ تأمل لحظة.
لكنني لا أقصد وجود مساحة عابرة، بل أقصد غرفة باسمها، بهويتها، بسريرها، بدولابها، بدورة مياهها الخاصة، قريبة من الدخول والخروج، تحفظ خصوصيتها وراحتها، غرفة تقول لها بصمتٍ واضح!! هذا مكانك، وهذا بيتك قبل أن يكون بيتنا.

⁃ غفلة.
كثيرون لم يفكروا في الأمر بهذه الطريقة، ليس تقصيراً مقصوداً، بل غفلة عابرة، قد تكون الزحمة، أو كثرة الإخوة، أو اعتقاد أن “الأم تذهب عند أي واحد منا”، أو أن الظروف لم تسمح، لكنها في جوهرها مسألة طريقة تفكير قبل أن تكون مسألة مساحة.

⁃ سكن.
هل تعتقد أن البيت جدراناً، لا بل رسالة،
وطريقة توزيع الغرف ليست قراراً إنشائياً فحسب، بل موقفاً إنسانياً.

⁃ زهو.
حين تخبر والدتك أن هناك غرفة خُصصت لها في بيتك، شيءٌ عجيب يحدث، لا ترى مجرد ابتسامة، بل ترى اعترافاً، تشعر بأنها لم تعد ضيفة في بيوت أبنائها، بل أصل البيت وروحه، تفتخر أمام قريباتها! ولدي مسوي لي غرفة كاملة، وقد لا تستخدمها كثيراً، لكنها تعرف أنها موجودة، وهذا يكفي.

⁃ وبراً بوالديه.
البر ليس كلمة تُقال، ولا هدية موسمية، ولا مكالمة سريعة، البر طريقة تفكير استباقية،
كيف أُدخل السرور؟
كيف أُشعر بالأمان؟
كيف أسبق الحاجة قبل أن تُطلب؟
نحن نهتم بتفاصيل كثيرة في بيوتنا،
نختار موقع المطبخ بدقة،
نحرص على اتساع المجلس،
نحسب اتجاه الشمس والتهوية،
لكننا أحياناً نغفل عن أهم ساكنٍ في قلوبنا.

⁃ لابأس.
الغفلة ليست قسوة، لكنها نقص في التأمل،
ولو أعدنا ترتيب أولوياتنا، لوجدنا أن أجمل استثمار في البيت ليس في الرخام الفاخر ولا في الأثاث المستورد، بل في مساحة صغيرة تحمل اسماً عظيماً، غرفة الوالدة.

⁃ في النهاية، المسألة ليست هندسة معمارية بقدر ما هي هندسة مشاعر، فكروا في والديكم كما لو أنهم سيعيشون معكم دائماً،
لا كزوار عابرين.

⁃ فالبيت الذي يتسع لبرّ الوالدين،
يتسع للحياة كله.


error: المحتوي محمي