27 , فبراير 2026

القطيف اليوم

يدقّق في الشهادة… ويتغافل عن العِبادة

نحنُ ــ بحمد الله ــ أُمّةٌ تُحسنُ السؤالَ عن الحلال والحرام، وتخافُ أن تمتدَّ يدُها إلى لُقمةٍ لم يُذكَرِ اسمُ الله عليها وقتَ الذبح؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وتحذيرًا من التهاون: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.

وهذا وعيٌ جميل… لكنه يصبحُ ناقصًا حين يتحوّلُ الدينُ إلى “سؤالِ مطعمٍ” ويُتركُ “سؤالُ الضمير”.

كم من إنسانٍ يدقّق في شهادة الذبح، ثم لا يدقّق في شهادة ذمّتِه!

يسألُ عن اللحم: هل هو حلال؟ ولا يسألُ عن المال: من أين جاء؟ أهو ربا؟ أهو أكلُ حقوق؟ أهو غصبٌ أو تدليس؟

يتحرّج من شبهةِ لقمةٍ، ولا يتحرّج من غيبةٍ تمزّق سمعةَ أخيه، أو صمتٍ عن مظلومٍ يستغيث، أو مجاملةِ فاسدٍ يُفسد في الأرض.

يراقبُ سكينَ الجزار، ولا يراقبُ سكينَ لسانه حين يجرح، ولا سكينَ سلطته حين يظلم زوجةً أو ولدًا أو موظفًا.

ويستقوي على الضعيف، ويُوقِّر الغني لا لكرامةٍ عند الله بل لهيبة المال، ويُقدِّم غيرَ الكفء بالواسطة على حسابِ الأمينِ الماهر.

إن الحلال ليس ختمًا على لحمٍ فقط؛ الحلالُ منظومةٌ كاملة: لُقمةٌ طيبة، ويدٌ نظيفة، ولسانٌ عفيف، وقلبٌ منصف.

فيا من تسألُ: “هل اللحم حلال؟” اسألْ أولًا: “هل أنا حلالٌ على الناس؟”
هل ظلمتُ أحدًا؟ هل أكلتُ حقًّا؟ هل سكتُّ عن فسادٍ؟ هل جبرتُ خاطرَ مظلوم؟
عندها يصير سؤالُ المطعم عبادة، لا قناعًا… ويصير الدينُ عدلًا يُعاش، لا تدقيقًا يُعلَّق على طبق.


error: المحتوي محمي