ما رأيكم في طبيب يصف لمريضه علاجًا يوميًا فيقول له: توقف عن تناول الأدوية، واستبدلها بهذا الغذاء، وخذ قسطين من الجري، وحاول أن تبعد نفسك عن الضغوط الحياتية؟ قد تبدو وصفة خيالية!! من النادر أن يتحدث الأطباء مع مرضاهم في هكذا وصفات ذات الهدف العلاجي، لأسباب متعددة، منها أن مجتمع الأطباء لا يدرك بشكل كافٍ أن تغيير عادات وتقاليد الممارسة اليومية جزء من وسائل الوقاية المهمة، وبعض الأطباء اعتبر كتابة وصفة خيالية أمرًا غير واقعي، والأهم من ذلك هو الفكر السائد في مهنة الطب في عصرنا المادي.
في الأفق المنظور يبدو أن العقد القادم يحمل في جعبته تحولات جديدة تتعلق بنوعية الغذاء ونظام التغذية التي دخلت إلى عالم التغذية. الحقيقة أن الجميع يدركون دور الغذاء في كونه قد يكون ذا تأثير إيجابي أو سلبي على الصحة. إن الأغذية الطبيعية غنية بالعصارات الحية، تستطيع أن توفر الحماية ضد أمراض عديدة. إن فهم الطريقة التي يتفاعل من خلالها الغذاء مع أجسامنا هو ما يجعلنا ندرك كيف يؤثر الطعام في صحتنا، ومن ثم إمكانية اعتماد نظام غذائي صحي لمنع الإصابة بالأمراض.
بداية، وقبل أن نذكر رأينا في الطرح الخيالي الذي ذكرناه في المقدمة، لا بد من التأكيد بأن صحة الإنسان هي أغلى وأهم ما يمتلكه في حياته الدنيوية، لأنها مرتبطة ببقائه ووجوده وقدرته على السعي وراء الرزق ومتطلبات الحياة والاستمتاع بمباهجها. وقد كان من المتوقع بعد انتشار المستشفيات التي تدار بالذكاء الاصطناعي، وكذلك العقاقير المصنعة وتنوعها، أن يتراجع المرض وتزداد السيطرة عليه، ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا، فقد عرف الإنسان الحديث أمراضًا لم تكن معروفة من قبل، بل ودخلنا عصر الأمراض المزمنة التي لم تكن موجودة بهذه النسبة، وأيضًا الأمراض المستعصية التي لا يوجد لها حتى الآن علاج ناجع.
من جانب آخر، فإنه في كل يوم تقدم لنا مراكز الأبحاث كشفًا جديدًا عن الدور الخفي الذي تلعبه المخلفات الكيميائية التي صنعها الإنسان، وعن آثار جانبية كثيرة ومعظمها منتجات ضارة أو مشكوك في أمرها. نحن لا يمكننا أبدًا أن ننتقص من حجم الانتصارات العظيمة التي حققها الطب الحديث، ولكننا نعي بأن الله سبحانه وتعالى خلق الغذاء لينتفع به الإنسان فيجد فيه ما يسد رمقه ويطفئ ظمأه، وأيضًا ما يبرئه من أمراضه وعلله.
بنظرة متأملة للماضي نجد أنها كانت حافلة بالقدرات البشرية الخارقة التي قلبت الأرض وحرثتها لتدفع بغذاء طبيعي حَمَت تلك الشعوب من الأمراض.
عندما نطرح اصطلاح «التغذية العلاجية» فإن تداعيات كثيرة تروح وتجيء في الذهن، هل كان أجدادنا وهم يأكلون يقدرون ويضعون في حساباتهم هذا المصطلح؟! كانوا يأكلون الطبيعي ولا يفرقون بين الشحوم واللحوم الحمراء.. نعم، كان الشحم زينة المائدة وعلامة اليسر، بل ربما الترف. كان الطعام طازجًا، ولم يفكر أحد أن يخزن اللحوم أو الأسماك أو الخضروات. أغذيتهم كانت صحية، فلم يكن لديهم أمراض العصر ولا مشكلاته. قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة النحل الآية (69)، وقال تعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا (25) فكلي واشربي وقري عينًا} سورة مريم. وقال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا}. آيات عديدة تستحق الوقوف عندها والتمعن فيها، هي من أعظم وأجل الآيات التي تدل على قدرة الله تعالى وعنايته بالإنسان، فقد جعل الله عز وجل من مكونات الطبيعة غذاء لا غنى عنه، وجعل فيه مزيجًا من المواد الشافية؛ تساعد على تحقيق منافع وفوائد عظيمة؛ تعمل عمل الدواء الشافي.
لم تعد معارفنا اليوم عن علاقة الغذاء بالدواء مقتصرة على معارف مبسطة من كون الغذاء هو عنصر النمو والطاقة، بل بات من الممكن التوقف أمام أثر الغذاء على جسم الإنسان.
لقد شكّل الغذاء في عصرنا الحالي نقلة نوعية في مفهوم التغذية العلاجية في تقوية الجسد. قد يتساءل البعض: ما الذي يجعل الغذاء دواءً؟ ومتى يوصف الغذاء بأنه دواء وشفاء؟ من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى أهمية الغذاء كسلاح لا نستطيع أن نتخلى عنه، لأنه يمثل الحل في مواجهة الأمراض. إن الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الآن لا يزال يبحث عن الدواء من مصادر مختلفة من الغذاء. لقد كان الناس فيما مضى يعتمدون على الطبيعة وحدها فيما يأكلون وما يشربون، كما يعتمدون عليها في علاج أمراضهم ودرء الأخطار عن أجسامهم، وهي النتيجة التي بدأت ملامحها تظهر ولله الحمد.



