سمعتها وهو يشير إلى شاب يقف في تلك الزوية من الصالة:
"إيه… ينسب إلينا".
لم يقل ابن عمّي.
لم يقل ولد خالتي.
قالها ببرود بينه وبينها طريق مُكسَّر مليء بحفر ليست صغيرة.
توقفت العبارة في أذني طويلًا.
كيف تحولت القرابة من انتماء ودم ورحم نابض إلى توصيف بارد محايد وكأن الأمر بعيد؟
كيف صار الدم يحتاج إلى أن يعرّف قربه؟
وكيف وصلنا إلى هذا؟… وإلى أين يمكن أن يصل بنا الحال؟
أرحام وأقارب… يعرف بعضهم أسماء بعض — وربما لا — ويتصافحون في المناسبات إن حضروا.
يأتون على عجالة يبتسمون ويجاملون ويسجلون حضورًا وربما يلتقطون صورةاو بعض صور تذكارية ثم يغادرون.
كأن القرابة ما كانت وانما كأي دعوة يحضرها لحضور عُزم ودعي اليه ثم ينتهي وقبل ان ينتهي يخرج كغيره من المدعوين لا كونه رحيما او قريبا.
لم يعد الباب يُطرق كما كان بكل أريحية وشوق.
صار يُسبق برسالة:
"متى يناسبك؟ ومتى ممكن نجيء نزوركم إذا يناسبكم؟" وكأنهم أُناس غرب!
سؤال مهذّب نعم.
لكن حين يصبح شرطًا بين الإخوة يكشف أن الصلة — بدفئها وحميميتها — باتت تحتاج إلى إذن دخول وطلب وصول.
بعض الإخوة وحتى بعض الأخوات لا يستقبلون إخوتهم إلا بموعد يوافق عليه أو يعاد جدولته.
وبين "بعدين" و"وقت ثاني… ومرة ثانية نجيكم" يكبر الأولاد وتتبدل الوجوه وتخف الزيارات حتى يصير اللقاء ذكرى كانت… ثم أُجلت… ثم تثاقلت الروحة… ثم ذبل الشوق… وربما انقطع الحبل الرفيع الذي كان يصل.
وأصبح لا هذا يعرف هذا ولاذاك يعرف ذاك وهم ابناء عم او عمة او اخ او اخت!
بعض الأرحام لا يعرفون أبناء عمومتهم أو خيلانهم إلا عبر صورة صغيرة في تطبيق أو صورة يريهم إياها من سأل إن وجدها.
غريب… عجيب هذا الزمن.
ربما يلتقون في مناسبة فيبدأ التعارف متأخرًا وربما لا يحدث أصلًا.
يسأل عن مهنته وين يشتغل او وين يدرس ويقرأ حالته على الواتساب إن كان لديه رقمه يضغط قلبًا أو لايك على صورة عرسه ثم يقول:
"ما شاء الله… كبروا الشباب".
كبروا فعلًا.
لكن دون أن يعرفوا أبناء عمهم أو عمتهم أو خالهم أو خالتهم.
تحولت القرابة من حضور حي وصلة نابضة إلى متابعة باردة — إن حدثت — ومن مجلس وجمعات عامرة إلى مجموعة صامتة لا تفاعل فيها.
حتى اللغة تغيرت.
كان الناس يقولون بكل فخر واعتزاز "ابن عمّي".
اليوم نسمع "ينسب إلينا" و"نسيب أبوي" و"نسيب أمي" وأحيانًا "من نسايبنا من بعيد… إذا مو غلطان".
ومع ذلك — وأتحدث عن نفسي — وعن بعض أُناس — ما زال في القلب بقية حرارة
إذا سئلنا عن ابن خال الوالد قلنا بلا تردد "ابن خالي".
وإذا كان ابن عم جدي قلنا بثقة "ابن عمّي".
فما بالنا بابن خالي المباشر؟
وما شأن ابن عمّي الذي يشاركني الاسم والبيت والطفولة؟
إذا كانت القرابة الممتدة في الأجيال لا نسقط عنها دفء اللفظ والإشارة
فلماذا نبرد القول ونثقله ونبعده عند الأقرب؟
الفرق واضح.
الأولى تقول هو منّي
والثانية تقول هو قريب من الدائرة… لا في مركزها.
عجيب …!
ولأن الواقع لا مجاملة فيه فنراه ونسمعه فالتباعد لا ينبت من فراغ.
الانشغال بضغوط الحياة يلتهم الوقت وينهيه
والجري وراء لقمة العيش والتزامات المدارس وسداد الديون… كل ذلك يجعل الإنسان يختصر علاقاته إلى ما يظنه ويعتقده ضروريًا.
والزيارات أول ما يختصر ويقنن.
ثم تأتي الخلافات الموروثة
لميراث قديم أو شراكة فشلت أو طلاق ترك أثره ولا زال وكلمة قيلت وفهمت خطأ قبل سنوات فأبعدتنا عن الدائرة ومركزها.
تتراكم القصص الصغيرة حتى تصير جدارًا ولا يجرؤ أحد على هدمه لأنه "قديم".
وكأن القدم يمنح الخلاف شرعية الاستمرار بالحفاظ وقطع الصلة بدل أن يمنحنا حكمة تجاوزه واحتوائه وتقوية روابطه.
وهناك مرض اجتماعي لطيف المظهر ولكنه ثقيل الأثر وهو حب المظاهر والتكلف.
زيارة بدل ان تكون خفيفة بلا تكلف تتحوّل إلى مشروع رسمي بقائمة مشتريات وترتيبات مرهقة.
وإن لم يكن مجلس البيت "على أتم الجاهزية" أُجّلت الزيارة واعتذر عنها وثقلت مرة بعد مرة إلى أن تتلاشى.
مثل هذه الزيارات رسمية متكلفة ينفر منها الأقارب والأرحام لأنهم لا يريدون أن يكونوا ضيوف بروتوكول في بيت يفترض أنه بيتهم لا بيتًا غريبًا.
أما "التقاط الزلات" فهو أخطرها.
تبهير زلة وتضخيم كلمة وتفسير ابتسامة على أنها استعلاء أو تخفي شيئًا.
نحن ننسى ألف موقف جميل ونتوقف عند لحظة واحدة.
فيكبر الخطأ في مخيلتنا حتى يقتل العلاقة ويلتهمها الشحناء لا تحتاج إلى نار عظيمة إذ يكفي أن نعيد سرد الحكاية بأسوأ زاوية.
وفوق ذلك كله أيضًا ضعف الوعي بفضل صلة الرحم.
حين لا نعرف قيمة الشيء فيسهل التفريط به.
تصير القطيعة أمرًا عاديًا والتكاسل عن الزيارة عادة لا تراجع ولا تكسر أو تعود.
وإذا أضفنا بعد المسافات وسفر الأبناء وضغط العمل وتوزع البيوت… اكتملت دائرة الجفاء.
ومع ذلك… ليست الصورة سوداء تمامًا.
قرر شابان أن يجمعا أبناء العمومة في لقاء شهري بسيط بلا رسميات وبلا تكلف.
عشاء عادي واحاديث عفوية و لمة صادقة.
في اللقاء الأول حضر نصفهم.
في الثاني تبادلوا أرقامًا لم تكن محفوظة.
في الثالث اكتشفوا أن أحدهم يمر بضائقة لم يخبر بها أحدًا.
وفي الرابع صار السؤال:
"متى اللقاء القادم؟"
العلاقة لا تعود بعاصفة.
تعود بمطر خفيف.
وتبنى بخطوة صغيرة… لكنها صادقة.
القرابة ليست واجبًا ثقيلًا ولا مشروعًا اجتماعيًا.
هي شعور قبل أن تكون نسبًا.
وإن لم تُروَ بالعناية تحولت إلى عبارة باردة نقولها إن سئلنا:
"ينسب إلينا".
أتذكر رجلًا مسنًّا قال وهو يهم بالخروج من إحدى الديوانيات:
"زوروا أرحامكم… الأعمار تمشي أسرع مما تتصورون".
بقيت الجملة تتردد في رأسي طويلًا.
أخطر ما يهدد العلاقات ليس الخلاف الذي نراه وإنما برود البرود الذي يتسلل دون أن نشعر.
ولعل أجمل ثورة اجتماعية يمكن أن نصنعها اليوم
أن نعيد العبارة إلى أصلها…
فنقول بكل ثقة وطلاقة:
هذا ابن عمّي…
وهذا ابن خالي
وبابنا مفتوح بلا موعد
حياكم الله بكل وقت.
وليكن هذا الشهر الفضيل بداية خير على الجميع.



