18 , فبراير 2026

القطيف اليوم

نرجو العفو من الله… فهل نعفو عمّن أساء إلينا؟

مع دخول شهر رمضان، تتجه القلوب إلى السماء أكثر من أي وقت آخر. ترفع الأكف، وتخشع الأصوات، وتكثر الدعوات بطلب المغفرة والصفح والعتق من النار. غير أن سؤالًا بسيطًا يظل حاضرًا في عمق الضمير: إذا كنا نرجو العفو من الله، فهل منحنا هذا العفو لمن أساء إلينا؟

الخصومة لا تبدأ كبيرة. كلمة عابرة، سوء فهم، موقف لم يُفسَّر جيدًا. ثم يتدخل الصمت، ويتضخم الشعور، ويصبح التباعد عادة. أخوان يفصل بينهما موقف قديم، صديقان فرّقتهما لحظة غضب، شريكان بدأ خلافهما في دفتر الحساب وانتهى في القلوب. تمر السنوات، ويبقى الجفاء حاضرًا، وإن اختفى الكلام.

رمضان ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل مراجعة للعلاقات. هو موسم ترتيب الداخل قبل ترتيب المظاهر. كثيرون يصومون عن المباحات، لكنهم لا يصومون عن القسوة. يحرصون على صلاة التراويح، لكنهم يتجنبون مصافحة من خاصموه. يطلبون المغفرة بإلحاح، لكنهم يحتفظون بحق الانتقام في صدورهم.

التسامح لا يعني إنكار الخطأ، ولا يعني التفريط في الحقوق. يمكن للإنسان أن يحفظ حقه بالوضوح والعدل، لكن يحفظ قلبه بالعفو. العفو قرار داخلي قبل أن يكون موقفًا اجتماعيًا. هو اختيار السلام بدل الاستنزاف، والطمأنينة بدل الجدل، والخفة بدل الثقل.

الخصام الطويل لا يؤذي الطرف الآخر فقط، بل يرهق صاحبه. يزرع توترًا صامتًا، ويستدعي ذكريات كلما تكرر الاسم أو المكان. أما المسامحة، فهي تحرير للنفس قبل أن تكون إحسانًا للغير. من يسامح لا يُكرم غيره فقط، بل يكرم نفسه أولًا.

بين الإخوة، يكون العفو حماية للرحم قبل أن يكون تنازلًا. وبين الأصدقاء، يكون حفاظًا على سنوات لا تستحق أن تُمحى بسبب لحظة. وبين الشركاء، يكون إعادة توازن للعلاقة بعيدًا عن الشخصنة التي تُفسد أكثر مما تُصلح.

في شهر الرحمة، تتضاعف الأعمال الصالحة، لكن من أعظمها إصلاح ذات البين. مكالمة واحدة قد تعيد دفء علاقة، ورسالة صادقة قد تطفئ نارًا عمرها سنوات. ليس المطلوب أن ننسى كل شيء، بل أن نمنع الماضي من أن يتحكم في حاضرنا.

إذا كنا نرجو من الله أن يعاملنا بفضله لا بعدله، فلنمنح بعضنا شيئًا من هذا الفضل. فرب دعوة رفعت في ليلة صافية كان مفتاح قبولها عفوًا منحناه في لحظة صدق.

رمضان فرصة لا تتكرر كثيرًا. فليكن هذا الشهر بداية مصالحة، لا مع الآخرين فقط، بل مع أنفسنا أيضًا. لأن القلب الذي يعرف كيف يعفو، هو الأقرب لأن يُعفى عنه.


error: المحتوي محمي