12 , فبراير 2026

القطيف اليوم

إنسانية قلب

من المشكلات الفكرية التي تواجهنا هي الخلط والاشتباه بين معاني مفاهيم متعددة، وقد تكون متقاربة، ولكن المؤديات تختلف تمامًا كمسارين لا يلتقيان إلا في ذهن من لا يعي ولا يدرك مضامينها ومقاصدها، ومن تلك المفاهيم التي يقع الاشتباه في توصيفها والإشارة لها – مثلًا – هي نقاء القلب والسذاجة، فنقاء القلب يعني طهارة نفسية تمنع صاحبها من التأثر السلبي (الحقد والكراهية) تجاه من يسيء له أو يتجاوز عليه، حيث التربية الروحية تدفعه باستمرار باتجاه التغافل والإعراض عن مقابلة الإساءة والانفعال بمثله، بينما السذاجة تعني بلها عقليًا وتبلدًا وجدانيًا لا يدرك معه الفرد المواقف والأفعال والشعور بمقصدها فضلًا عن كيفية الرد عليها، فشتان ما بينهما والاختلاف الكلي ظاهر بعد معرفة معانيهما بالدقة، إذ لا يمتنع نقاء القلب من الرد الحازم والحفاظ على كرامة النفس دون تجاوز أو إساءة الأدب.

وشتان ما بين معنى الرحمة ورقة القلب والتعامل اللطيف مع الآخرين، وبين الهشاشة القلبية والتي تشير إلى ضعف النفس والإرادة وعدم القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح والمناسب، وهذا التوضيح بين مجموعة هذه المفاهيم يدفعنا نحو صلب الموضوع المراد، وهو بيان معنى القوة النفسية (الداخلية) التي تقي الفرد من العوامل الصعبة والقاسية المحيطة به، في شبكة علاقات معقدة وأزمات تطفو بقوة على مشهد ميادين العمل وكيفية شقّ مسار التكامل فيها، فالحقيقة أن الحفاظ على قلب نقي في عالم قاسٍ هو قمّة القوة الداخلية، حيث إن البعض يتخلّى عن طيبته ونقائه بعد أن تكلّست وترسلت في نفسه ردود فعل مكبوتة وجراح مؤلمة من مواقف تعرّض لها وما استطاع أن ينفّس من دخانها المنبعث والخانق، فالقلب الذي لم يتحوّل إلى حجر رغم كل ما مرّ به هو قلب انتصر في أشرس المعارك الحياتية.

ومن هذا المنطلق نعرّج على مفهوم جهاد النفس في علم الأخلاق وربط موضوعنا به، في علاقة قد تخفى على البعض فيقتصر على هذه القيمة التربوية بمقاومة الأهواء النفسية وعالم الشهوات والغرائز المتفلّتة، ويغيب عنه ميدان جهادي مهم وهو المحافظة على نقاء القلب من المشاعر السلبية في عالم العلاقات، فحين يُحدّثونك عن جهاد النفس فلا تختصره في طقوس أو معانٍ مجزّأة، وأخبرهم أن أصدق الجهاد هو أن تنجو بإنسانيتك وطيبتك ونقاوة قلبك من التلوّث بقاذورات أخلاقية، فيبقى هذا القلب صالحًا للحياة الآدمية وقادرًا على الحب والاحترام والعدل والرحمة، بعد كل تلك المفاجآت الصادمة والعثرات المؤلمة والانكسارات العاصفة والهزائم في ساحة الثقة الوهمية.

حين يُذكر جهاد النفس يذهب الذهن غالبًا إلى صور تقليدية كتقنين الشهوة في مجراها الشرعي والعقلي وكبح الغضب أو الإكثار من العبادات الظاهرة، غير أن الحقيقة أعمق وأدق من ذلك بكثير، فجهاد النفس الحقيقي – في جوهره – معركة طويلة الأمد للحفاظ على إنسانية القلب وسط عالم لا يتوقّف عن قسوته ولا يكفّ عن امتحان القيم.


error: المحتوي محمي