مقالنا الثالث والأخير عن التَّقاعد والمتقاعدين، والذي أتمنى أن أكون فيه بعيدًا عن الحديث التَّقليدي عن التقاعد وما يحدثه على الشخص.
بل عمَّا بعد العمل الرسمي الذي امتدَّ لسنوات طويلة، خاصَّة لدى أصحاب الوظائف ذات المسؤوليَّة، ممَّن كانت لديهم صلاحيات القرار والحل والربط.
ماذا يشعر بعضهم بعد التقاعد؟
جزءٌ ليس بالقليل منهم يشعر بفراغٍ كبير، وبعضهم لا يزال يتعامل مع يومه وكأن عليه أن يكون حاضرًا في كلِّ تفصيل، ثمَّ يكتشف بهدوء أنَّ وجوده لم يعد مطلوبًا كما كان.
وبعضهم يفتقد ذلك الإحساس اليومي بأن رأيه يُنتظر، وأن كلمته كانت تصنع فرقًا، حيث لا يزال يعتقد أنَّ جملةً من الاجتماعات تنتظره، وأنَّ الكلمة الأخيرة ستكون له، وهو لا يعلم أن ذاك الزمن قد ولَّى دون عودة.
وفي الجانب الآخر، نجد شخصًا مختلفًا تمامًا.
شخصًا منطقيًا، ما إن تقاعد حتَّى خلع ثوب العمل، بما فيه من مسؤوليات وقرارات صارمة، وارتدى ثوب الهدوء.
لم يحمل معه صوته العالي، ولا نبرته الحازمة، ولا إيقاع الاجتماعات.
بل حمل شيئًا أبسط وأعمق؛ الدعاء الصادق لزملائه السابقين، والكلمة الطيبة كلما ذُكروا، والرضا بأنَّ لكل مرحلة زمنها وحدودها.
هذا النوع لم يشعر بأنَّ التقاعد انتزعه من مكانه؛ بل شعر أنَّه أعاده إلى نفسه.
لم ينظر إلى الماضي بحسرة، ولا إلى الحاضر بخوف، وتعامل مع التقاعد بوصفه انتقالًا طبيعيًا، لا خسارة ولا قطيعة.
وعند النظر إلى أثر هذين النموذجين، تتَّضح الفوارق بوضوح.
فالشخص الذي ظلَّ أسيرًا لزمن القرار، ولم يتصالح مع انتهاء دوره الرسمي، قد يواجه أضرارًا لا يشعر بها في بدايتها؛ توترًا داخليًا غير معلن، شعورًا مستمرًا بعدم الرضا، ومحاولات متكررة لإثبات حضور لم يعد مطلوبًا.
ومع الوقت، قد ينعكس ذلك على علاقاته، فيتحول من شخص كان يُحتفى برأيه، إلى شخص يُتجنّب جداله.
حتَّى عندما يجتمع عائليًا، تجده يعشق الجلوس في صدر المجلس، وإذا لم يكن هناك، تجده غير مرتاح.
وأيضًا، عندما يُدعى لعقد لقاء تشاوري، يستحضر أيَّامه السابقة، غافلًا عن أن موقعه لم يعد كما كان، وأنَّ الكلمة الأخيرة لم تعد له.
وكان من الأفضل أن يسخر خبرته لخدمة الواقع الذي يعيشه في حينه.
وفي المقابل، نجد أنَّ من خلع ثوب العمل بهدوء، وكسب راحة الانتقال، حصد إيجابيات واضحة؛ اتزانًا نفسيًا، علاقات أكثر صفاءً، وحضورًا إنسانيًا لا تحكمه الصلاحيات ولا المسمّيات.
لم يخسر احترام الناس، وحافظ عليه؛ لأنَّ احترامه لم يكن مرتبطًا بالمنصب؛ بل بالشخص.
والأهمُّ من ذلك كله أن يتوقف الإنسان قليلًا ليسأل نفسه بصدق: ماذا صنعت بي شخصيتي الوظيفية؟
وما الذي أضافته لي سنوات العمل من وعي وانضباط وقدرة على اتِّخاذ القرار؟ فالتجربة الوظيفيَّة لا تنتهي بخروج الإنسان من مكتبه، وتستمر بما تتركه داخله من أثر، وبما يمكن أن يتحول إلى رصيد نافع في مرحلة ما بعد التقاعد. فمن أحسن استثمار ما تعلّمه، عاش هذه المرحلة باتزان أكبر، ومن تجاهله، عاشها وكأنها فراغ لا نهاية له.
فالوظيفة تنتهي، لكن أثرها في الإنسان لا ينتهي بالضرورة؛ فقد تكون عبئًا يثقله إن ظلّ أسيرها، وقد تكون خبرة تنقذه إن أحسن توظيفها. وهنا يصبح التقاعد اختبارًا أخيرًا للوعي، لا لمنصبٍ مضى، بل لشخص ما زال قادرًا على أن يعيش، ويؤثّر، ويترك أثرًا مختلفًا، خارج إطار العمل، وداخل معنى الحياة.
وقِس على ذلك كلَّ من كان يومًا في موقعٍ أو مسؤولية، ثم غادرها؛ فالقضية لا تتعلّق بالتقاعد وحده، بل بكل انتقالٍ يُنهي موقعًا ويُبقي الإنسان في مواجهة ذاته.



